العنوان هنا
دراسات 15 فبراير ، 2015

التاريخ الاجتماعي للجواري في مصر قبيل عصر التحديث: نفيسة خاتون "المرادية" نموذجًا

الكلمات المفتاحية

ناصر سليمان

​أستاذ مشارك للتاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة. حاصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة (2003)، وينتمي معظم إنتاجه الأكاديمي إلى حقل التاريخ الاجتماعي، ويركّز الاهتمام على دراسة المجتمع وحركة القوى اﻻجتماعية فيه، بكل تناقضاتها وديناميتها، ودراسة شكل السلطة وتوجهاتها وتحليل البنية الاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها. نُشِرَت له عدة مؤلفات، منها: الأزمات الاجتماعية في مصر في القرن السابع عشر؛ والفرنسيون في صعيد مصر: المواجهة المالية 1798-1801. ومن خلال إشرافه على سمنار القاهرة للدراسات العثمانية الذي ترعاه الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، حرر عدة كتب عالجت إشكالات مختلفة من التاريخ الاجتماعي خلال الحقبة العثمانية، كان منها: العدالة بين الشريعة والواقع؛ الرفض والاحتجاج؛ الفرد والمجتمع؛ ثقافة النخبة وثقافة العامة. كما ساهم في مجال الترجمة؛ فترجم عن الفرنسية بالمركز القومي للترجمة في القاهرة كتابين، هما: الحرفيون والتجار في القاهرة في القرن الثامن عشر؛ ومحمد علي ونابوليون 1807 – 1814. وهو عضو في الجمعية المصرية للدراسات التاريخية منذ العام 1992.

ملخّص

تركّز هذه المقالة على دراسة شخصية نسائية تنتمي إلى صفوة نساء المجتمع، في مرحلة شديدة التقلّب وعدم الاستقرار، بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، إنّها "السيدة نفيسة" التي خطفها اللصوص من إحدى القرى الجبلية بجورجيا، وتمّ بيعها في سوق الجلابة (بيع العبيد) بالقاهرة.

شاءت الأقدار أن تصبح الستّ نفيسة محظيّة ثمّ زوجة لأقوى أميرين من كبار الأمراء المماليك (الأمير علي بك الكبير، والأمير مراد بك)، واللذين حاولا الانفراد بحكم مصر، في محاولة لتأكيد النزعة الانفصالية عن التبعية العثمانية. وقد انعكست هذه التطوّرات على حياة الستّ نفيسة؛ إذ ارتفع قدرها وتمتّعت بمكانة خاصّة في المجتمع المملوكي؛ فصارت على رأس الحريم المملوكي، فأصبحت تُلقّب بـ "الستّ نفيسة الكبرى"، وامتلكت نتيجة لذلك ثروة عقارية كبيرة، ما جعلها بالفعل من أشدّ نساء النخبة المملوكية ثراءً.

بيد أنّ هذه الحياة الرغدة والرفاهية، تعرّضت لتطوّرات مؤسفة بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، تلك التطوّرات التي قلبت حال معيشتها، وجعلتها تدخل دوّامة المعاناة، ولا سيما مع اتجاه حاكم مصر (محمد علي باشا) للتخلّص من الطبقة المملوكية (من خلال ما عُرف بمذبحة القلعة 1811)، والتي لم تعش بعدها الستّ نفيسة سوى سنوات قليلة؛ إذ ماتت عام 1816.

الإشكالية

تدور حول فهم مدى تأثير التطوّرات المختلفة التي مرّت بها مصر في مسيرة حياة الفرد في فترة مليئة بالتغيّرات، من خلال طرح نموذج الستّ نفيسة؛ فإلى أي حدّ شَكَّلت التطوّرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، مسار حياة الستّ نفيسة، واندماجها في قلب الحوادث وصولًا إلى قمّة الصّفوة المملوكية، ثمّ تعرّضها لتحدّيات التحوّل الاجتماعي والسياسي؛ لتبقى بعيدًا خارج دائرة الصفوة وبعيدًا عن الأضواء؛ إذ عانت ضيق العيش والمرض وفقدان المكانة وخسارة النفوذ؟

إنّ الاعتقاد الشائع بأنّ المرأة الشرقية جزء من "الخاص" الذي يقترب من مفهوم ما هو محظور تناوله أو كشفه؛ بصفته منطقة مقدّسة أو شبه محرّمة، تسبّب في إضفاء ظلال كثيفة على دور المرأة بصفتها فاعلًا في العملية التاريخية. وتدعّم هذا الاتجاه بإثارة مسألة المصادر ومحدودية المادة الإخبارية التي وصلتنا وما بها من ثغرات، مقارنةً بما نعرفه عما هو "عام"، "سياسي" أو "تاريخي". وبات تاريخ المرأة أو بالأحرى "تاريخ النساء" منسيًا أو إلى حدّ ما غير معترف به، أو فلنقل في أحسن التقديرات ظلّ مدرجًا ضمن ما يعرف بـ "التاريخ العام" للمجتمع. وتسبّب هذا الإقصاء، غير المقصود، في جعل الكتابة حول تاريخ النساء تقترب في المحصلة النهائية من المآل الذي انتهت إليه عملية التأريخ للفئات المسحوقة أو الهامشية، ممن أطلق عليهم جان كلود شميت "المنبوذين، الصامتين، والمنسيين في التاريخ" الذين لم يحظوا بالاعتراف، وانحسر عنهم الضوء، على الرغم من أنهم لم يكونوا بعيدين نسبيًا عن قلب الحوادث السياسية والاجتماعية، ولكن الحظ العاثر أنّ المنهجيات الخاصة بدراسة تلك الفئات، لم تكن قد تطوّرت بشكل متواز مع تطوّراتها في مجالات تاريخية أخرى، ومن ثمّ ظلّوا على هامش الكتابة التاريخية.

بيد أنّ المناهج التي تطوّرت، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، في إطار ما يعرف "بالتاريخ الاجتماعي"، أمكنها أن تدفع الكثير من الفئات الهامشية إلى بؤرة الحوادث، وإدماجها داخل السياق التاريخى العام. ولم تأخذ حركة "كتابة تاريخ النساء" وضعها المؤثّر إلاّ منذ سبعينيات القرن العشرين، وتمّ ذلك في إطار "الحركة النسائية" Féminisme التي اهتمت بالبحث عن تاريخ يقدّم بطولاتٍ وأدلّةً على فاعليّة النساء ودورهن في الماضي، ونحو آخر السبعينيات تحرّك تاريخ النساء بعيدًا عن الشؤون السياسية، وأدّى ظهور باحثين أكاديميين متخصّصين في تاريخ النساء، إلى مولد مجال جديد للدراسة، اكتسب شرعيته نتيجة اعتماده بشكل رئيس على تحليل الوثائق الاجتماعية بصورة موضوعية، لا تستهدف بالضرورة تقديم بطولات نسائية، أو إبراز النماذج الشهيرة والاستثنائية، وإنّما دراسة المرأة بوصفها مشاركًا أساسيًا في العملية التاريخية. وساعد ذلك بالفعل على دمج تاريخ المرأة في سياق تطوّري، استهدف الكشف عن حقيقة المساحة التي كانت تشغلها، ليس في "عالم الحريم" (الغامض) فحسب، بل ودورها في الحياة العامّة، وتحليل مواقفها إزاء التطوّرات الكبرى، والكيفية التي استوعبت بها تلك التطوّرات؛ ويعني ذلك تناول تاريخ المرأة في إطار علاقة دائرية، يتمّ الربط خلالها بين المنطقة الخاصة في حياتها والدائرة الأوسع الممتدة خارج الجدران العازلة (الحريم/ الحرملك)، الأمر الذي يمكن معه تقديم قراءة مجهرية لمسيرتها، وذلك في ضوء تقاطع سيرتها الخاصة مع مسار التجربة الشاملة للمجموعات الاجتماعية المختلفة الممثّلة للمجتمع.

ويتناول هذا المقال شخصية نسائية من نوع خاص، كانت في قلب الحوادث، ولم تكن على هامشها، تنتمي إلى صفوة نساء الطبقة العليا، في مرحلة شديدة التقلب وعدم الاستقرار بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وهي شخصية "الست نفيسة"، زوجة حاكم مصر القوي "علي بك الكبير" الذي نهض بأوّل محاولة، في العصر الحديث، لاستقلال مصر عن الدولة العثمانية، أثار بها فضول المراقبين الأوربيين الذين تابعوا باهتمام بالغ مشروعه السياسي الكبير. وإذا كان هذا المشروع قد لاقى الفشل، وانتهى بقتله، فإنّ وضعية الست نفيسة لم تتأثر كثيرًا، فلم يلبث أن أقدم سريعًا أحد الأمراء الطموحين ويدعى "مراد بك" على الاقتران بها، ما عزّز من استمرارية تمتّعها بمكانتها، ولا سيما أنّه تقاسم مع نظير له يُدعى الأمير إبراهيم بك، سدّة الحكم، وأدارا البلاد كذلك بطريقة شبه مستقلّة فعليًا عن المركز العثماني، وذلك على مدار العقدين الأخيرين من القرن الثامن عشر.

وإذًا، ظلّت الست نفيسة محتفظةً بوضعيتها الاجتماعية المرموقة، محظيّة ثم زوجة لأقوى أميرين حكما البلاد، أغدقا عليها الكثير من الأموال، واختصّاها بعدد كبير من التزامات القرى ببلاد الأرياف، ما جعلها بالفعل من أشدّ نساء النخبة المملوكية ثراءً. وكان قصرها المنيف على بركة الأزبكية، تحفةً معماريةً تخلب الأنظار. وكان مزوّدًا بكل احتياجاتها المادية، كما يقوم على خدمتها عدد كبير من الخدم والمماليك والجواري الحسان.

بيد أنّ هذا المنحنى الصاعد من الحياة الرغدة والرفاهية الاستثنائية، لم يلبث أن قطعته تطوّرات الحوادث الكبرى بين آخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، تلك التطوّرات التي قلبت لها ظهر المِجَن، وجعلتها تدخل في دوامة المعاناة، وخاصّة مع تبنّي السلطة الجديدة، ممثّلةً في محمد علي باشا، مشروع تصفية الطبقة المملوكية التي تنتمي إليها الست نفيسة، والعمل على تجريدها من الأملاك العقارية وإقصائها بصورة نهائية عن دائرة الحكم والنفوذ، ليحلّ محلّها طبقة بيروقراطية جديدة من أصول عرقية وثقافية مختلفة.

وكان لا بدّ أن تنعكس كل هذه التداعيات السريعة على حياة الست نفيسة، والتي وجدت نفسها في النهاية على هامش طبقة "الحريم العالي"، مجرّدةً من مصادر ثروتها ومن مكانتها الاجتماعية التي كانت لها زمن البكوات المماليك، لتنزوي داخل قصرها حتّى أيامها الأخيرة، ثمّ ما لبثت سلطة الباشا (المركزية) أن صادرت أملاكها العقارية، عقب وفاتها مباشرةً، لتُطوَى بذلك صفحتها الأخيرة التي ما فتئت ترمز، في الوقت نفسه، إلى نهاية عصر البكوات المماليك.

وهكذا، فإنّ سيرة الست نفيسة بحقّ مثيرة للاهتمام؛ فهي شاهدة على مرحلة مكتملة لبلوغ الطبقة المملوكية أوج ذروتها في المجالين السياسي والاجتماعي (بدءًا من عام 1755)، ثم مرحلة تزلزل أركان النظام المملوكي بفعل تحديات خارجية وداخلية، لتنهار أو بالأحرى لتتلاشى معها تلك النخبة، وتتحوّل إلى ذكرى من الماضي.

فمن هي الست نفيسة؟ وما هي الظروف التي حوّلتها إلى رمز خاص في ذاكرة المصريين الذين أبدوا الاحترام الكامل لشخصها، وميّزوها عن أترابها بل عن طبقتها المملوكية ككل؟ ثم أخيرًا ما هي الظروف التي هيّأت لها المجال لتبرز على الساحة، فارضة نفسها على المشهد الاجتماعي حيث اكتسبت حبّ الناس طيلة أيام حياتها، حتّى أنّ مراقبًا حاذقًا كالجبرتي، أفرد لها ترجمةً استثنائيةً خاصةً، وهو ما لم يخصّ به أيًا من حريم البكوات المماليك فضلاً عن غياب أي ترجمة نسائية أخرى بكتابه الشهير "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"؟ وأخيرًا نتساءل عن دلالة الحظوة التي نالتها بالقدر نفسه عند المعاصرين الفرنسيين، بدءًا من نابوليون بونابرت Napoléon Bonaparte الذي تذكّرها في منفاه بسانت هيلانة، واصفًا إيّاها في مذكراته بـ "أنها امرأة مهمّة، تتمتّع بين الأهالي داخل المدينة بحظوة واعتبار كبيرين"، مرورًا بالقنصل الفرنسي ماجللون ماجللون Magallon الذي سجّل في تقاريره للخارجية الفرنسية عن دورها في رفع الإتاوات التعسفية التي عُمِّمَت على التجار الفرنسيين، والجنرالين كليبير Jean Kléber ومينو Jacques Menou اللذين أبديا لها احترامًا من نوع خاص، وتقديرًا لدورها في الوساطة بين الفرنسيين وزوجها الأمير مراد، ونهايةً بالمراقب الفرنسي فليكس مانجان Félix Mengin الذي عاصر سنواتها الأخيرة وتابع باهتمام تعلّق الناس بها، وحزنهم الشديد على فراقها حين وافتها المنية في عام 1816م؟

وقبل التصدّي لتحليل الوضعية التي انطلقت منها الست نفيسة والظروف التي مرّت بها، يتعيّن بالفعل الإشارة إلى أنّنا سوف نستعين بمنهجية دراسة "السيرة الذاتية" التي تطوّرت في الآونة الأخيرة، والتي تقوم بالأساس على إعادة بناء السياق، والكشف عن "الأرضية الاجتماعية"  la surface sociale التي تقوم عليها أعمال الفرد في المجالات المتنوعة التي يتّصل بها نشاطه وسلوكياته، وذلك في كل لحظة من مسيرة هذا الفرد. وهذه الأداة المنهجية تسمح بتناول الفرد في شبكة من العلاقات، يمكن من خلالها قراءة تاريخ الناس والسلطة والكشف عن التفاعلات الاجتماعية والمشكلات والتطوّرات التي شكّلت في الوقت ذاته الخلفية الاجتماعية والثقافية المعقدة التي كان يتحرّك الفرد في إطارها أو داخلها. إنّ دراسة الست نفيسة في ضوء هذه المنهجية سوف يجعلنا نتوقّف عند الطريقة التي استجابت بها هذه الشخصية للظروف التي مرّ بها المجتمع المصري خلال مرحلة طويلة من مخاضه السياسي والاجتماعي قبل بدء عصر التحديث، وكيفية اندماجها في السيرورة الاجتماعية، وبالقدر نفسه تمكّننا دراستها من محاولة فهم طبيعة هذه المرحلة، وتحليل تأثير تحدّياتها الداخلية والخارجية في تطوّر حياة الأفراد وتشكيل تجاربهم الخاصة ومآلهم، في ظل مرحلة حبلى بالمتغيّرات.


*هذه الدراسة منشورة في العدد الأول من مجلة "أسطور" (كانون الثاني / يناير 2015، الصفحات 92-119)، وهي مجلة محكّمة للدراسات التاريخية المتخصصة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات كل ستة أشهر.

** تجدون في موقع دورية "أسطور" جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.