العنوان هنا
مراجعات 04 يونيو ، 2013

العودة إلى الأسئلة: عزمي بشارة في مشروعه الفكري الجديد

الكلمات المفتاحية

محمد جمال باروت

باحث مشارك ورئيس دائرة الأبحاث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سابقًا، والمحرر العلمي للمركز حاليًا. متخصص في التاريخ الاجتماعي والسياسي السوري الحديث. عمل مديرًا ومستشارًا في مشروعات عدة تابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سورية. له دراسات وأبحاث عدة في التعليم، والتنمية البشرية، والتنمية والسكّان، والهجرة الخارجية السوريّة، والاستشراف المستقبلي لمسارات التنمية. من أحدث كتبه "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح"؛ و"التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري"؛ و"حملات كسروان: في التاريخ السياسي لفتاوى ابن تيمية"، و"الصراع العثماني- الصفوي وآثاره في الشيعية في شمالي بلاد الشام".

 
العنوان: الدين والعلمانية في سياق تاريخي

المؤلف: عزمي بشارة

الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات -الدوحة

السنة: 2012

عدد الصفحات: 496

يشكّل الدِّين والتديُّن الجزء الأوّل من مشروعٍ فكري جديد أشملَ لعزمي بشارة. ونعني بالجديد على هذا المستوى المحدَّد جديد الطباعة لا جديد المشروع  الكلّي بالضرورة. ويحمل هذا المشروع في أجزائه الثلاثة عنوانًا أساسيًّا هو "الدِّين والعلمانية في سياق تاريخي"، بينما سيتمحور الجزء الثاني حول العلمانية والعلمنة ونظرياتها والخلفية الفكرية والتاريخية لتطوّرها، في حين يتمحور الجزء الثالث حول تصنيف بعض النماذج العثمانيّة والعربيّة وتحليلها، ولا سيّما النماذج التي تشكّلت وتطوّرت خلال مرحلة التنظيمات العثمانيّة وما بعدها، حين نشأ نظام الدول على أنقاض الإمبراطورية العثمانيّة المنهارة. وبهذا المعنى، نحن إزاء مشروعٍ فكري متكامل الفرضيات والقضايا والإشكاليات، يطرح نفسه في مرحلة التحوّلات الكبرى الجارية. ولهذا معناه ودلالته في العلاقة الضمنية بين الأفكار والتحوّلات الكبرى. ويمكن اعتبار هذا المشروع نوعًا من استئناف على مستويات أخرى للمشروع الأساس الذي بدأه بشارة في كتابيه المجتمع المدني والمسألة العربية.

يحضر الجزء الأوّل في هذا المشروع، الدِّين والتديُّن، كأنه يمثّل مقدمة نظرية تحليلية للمشروع (ص9). فإذا لم يكن ممكنًا فهم العلمانية والعلمنة مع انطلاقة العصور الحديثة من دون فهم الدِّيني بطبيعته المركّبة وأبعاده المختلفة، التي يشكّل البُعد الاجتماعي المؤسسي أحد أهمّ أبعادها من دون أن يكون بعدها الوحيد، فإنه لن يكون ممكنًا فهم استمرار الدِّيني على مختلف ظواهره، وحتى تخلّق اتجاهاتٍ ورؤًى وتأويلات وتنظيمات جديدة فيه في عصرنا الراهن، من دون فهم العلمانية والعلمنة، بوصف العلمنة صيرورة تاريخية - اجتماعية - سياسية مركّبة تتحدّى التنميطات النظرية أو المؤسسية المنجزة، وتسمح بالحديث عن علمانيات لا عن علمانية واحدة. ولهذا تمحور الجزء الأوّل من المشروع حول الدِّين والتديُّن، مع أنه يقدّم إطلالاتٍ عابرة على ما يتعلّق بقضايا الجزأين الثاني والثالث من صلة بقضايا الجزء الأوّل. لكن هل نحن بحاجة إلى مثل هذا الكتاب في إطار مشروعٍ عن الدِّين والعلمانية في سياقٍ تاريخي؟

لا تستقيم معرفيًّا وأكاديميًّا شرعية إنجاز كتابٍ جديد حول قضية مشبعة درسًا وحول جدلٍ واسع وكبير وممتدّ في الإنتاج الفكري الغربي، وبدرجة نسبية محدودة في الفكر العربيّ، محوره قضايا الدِّين والتديُّن، إلّا من زاوية النظر النقدية لما تراكَم في مجالها العلمي. وهذا المجال التراكمي منجز بمعنى التراكم لكنّه مفتوح على قابلية الإنجاز المستمرّ بحكم أنّ قضاياه وإشكالياته وحدود معارفه ما زالت مفتوحة على قابلية النظر وإعادة النظر. ولعلّ زاوية النظر النقدي التي اختارها بشارة في تعامله مع هذا التراكم الذي سبقه، هي التي أتاحت له أن يعتبر الجزء الأوّل "مقدّمة" للمشروع، لا بالمعنى التقليدي بل بالمعنى النقدي الذي يروم محاولة تأسيس رؤية واتّجاهات فهمٍ وتحليلٍ ونظر. ولهذا لم يقتصر على فصلٍ في الكتاب بل حوّل الجزء الأوّل برمّته إلى مقدّمة، وكأنه يحاول أن يبني مشروعه على أصوله هو بعد أن قام بإعادة بنائها، وتملّكها في" قواعدها الكلّية". وينطوي ذلك على درجةٍ ما من الطموحات "الأصولية (على هذا المستوى بمعنى علم أصول الفقه)" أو" الأسسية" أو "الأبستمولوجية" (بالمعنى الدقيق لما هو علم أصول  كما في علم أصول الفقه)؛ فالأصولي المطلق يستند إلى أصوله التي صاغها وينطلق منها، بينما يبقى "مجتهد المذهب" في نطاق الأسسي أو الأصولي.

 تتشكّل "المقدمة" أو الجزء الأوّل من المشروع من هذا التطلّع إلى أسسية ما في مجالها من دون ادّعاء بناء نظرية فلسفية. لكن هذا الجزء لن يسمح بتبيّن القدرة المنتجة للأفكار إلّا بعد صدور المشروع مكتملًا. فـ"عدم إمكانية فهم التديُّن في عصرنا من دون فهم العلمانية والعلمنة" (ص405)، و"يوجد تديُّن من دون إيمان، لكن لا دين من دون تديُّن" (ص 223)، و"الإيمان المعرفي هو غير الإيمان العرفاني"، و"تميّز التجربة الدِّينية عن تجربة المقدَّس" (ص19)، و"الدِّين ليس خرافات أو أفكارًا مغلوطة شائعة، والإلحاد ليس نظرية علمية" (ص245)، و"لاقابلية الإيمان المحض للدحض" (ص48-49)، و"أن أصل عملية التمايز في الفكر والمجالات الاجتماعية هي عملية تمايز داخل الدِّين وبين الدِّين وغيره من الظواهر، وفي أنّ عملية التمايز من هذا المنظور تبدأ بفصل الله عن العالم، ثمّ التوسّط بينهما، والفصل من جديد" (ص405)، و"التمييز بين العلمانية والعلمنة" (ص 406)،.... إلخ، هي كلّها من نوع تلك المفاهيم الأسسية. وبعضها شائع في الفكر النقدي، ويمكن بكلّ تأكيد تحديد مراجعها، ودينامية علاقتها بمراجعها من زاوية ما تأخذه منها وما تعيد بناءه بطريقة المسطرة. لكن ما يعطيها طابع المحاولة الأسسية هو بناء ذلك كلّه في منظومة أسسية تقيم أدوات مفهومية نظرية تحليلية قابلة لإنتاج الأفكار والنظر. وفي هذه المنظومة تكمن جدّية مشروع بشارة. والواقع أنّه ما من مفكّرٍ أصيل إلّا وله محاولة أسسية ما. وهو ما يميّز المفكّر عن الجامعي بالمعنى المدرسي التقليدي أو الضيّق، كما يقرّبه من محاولة التفلسف، حيث يُعَدّ بناء الفلسفة ذروة الأسسية. ولقد كانت الأسسية من طموحات بشارة في مشروعه حتّى إنه احتذى في كلّ فصلٍ كتَبه نمط كتابة الفلاسفة الحديثين "الأسسيين" من أمثال ديكارت وجون لوك وديفيد هيوم في صيغة "في أنه.." التي تضع الأسئلة والقضايا في إطارٍ لغوي مكثّف للّغة الفلسفية العقلانية (ص19).

تقوم هذه "المقدِّمة"، في محاولتها الأسسية بناء أصولها أو أسسها متّبعةً نهج المدرسة النقدية والاتجاهات الجديدة في أنثروبولوجيا الدِّين وتاريخه واجتماعياته، على إعادة النظر في كثيرٍ من المفاهيم النظرية والفكرية السائدة بغية بناء أدواتٍ نظرية تفسيرية وتحليلية تتّسم بفعاليتها الإنتاجية، من حيث قابليتها لإعادة التفكير في الدِّيني خارج المنظورات العقائدية "التقليدية" التي تحجب الخوض في مسائله، وكذلك خارج المنظورات"العلموية" الساذجة واشتقاقاتها النظرية والفكرية والفلسفية، واستطرادًا السياسية والسلوكية، الموروثة عن ثقل الاتجاهات المادية و"الدهرية"، بلغة الأفغاني، في فلسفة التقدّم في القرن التاسع عشر، تلك الفلسفة التي "انتقدت الدِّين وكأنّها تنتقد مجموعة من الخرافات والأساطير من دون معالجة البنية الفكرية الإيمانية والظاهرة الاجتماعية" في المجتمعات البشرية، بما فيها المجتمعات التي قطعت شوطًا بعيدًا في عملية الحداثة والتعلمن.

قد يكون صوغ قضايا المحاولة في تجاوز هذين المنظورين" التقليدي" و"العلموي" متأثّرًا بحضورهما في الثقافة العربيّة أكثر ممّا هو عليه الأمر في الثقافة الغربية التي مضت بوظيفتها النقدية ولا تزال تمضي بها خارجهما نحو آفاقٍ ومنظوراتٍ مختلفة وجديدة، وهو ما يشير منذ البداية إلى التموضع الإستراتيجي للمفكّر في قضايا ثقافته ومجتمعه الداخل في عملية تحوّل اجتماعية كبرى جديدة قد تضاهي مرحلتَي التحوّل الكبرييْن بعد انهيار الدولة العثمانيّة وصولًا إلى لحظات الاستقلال، وبناء الدول الوطنية، ثمّ مرحلة ما بعد انهيار الدولة الفتيّة المستقلّة أو ما بعد الاستعمارية، وصولًا إلى تشرخ النظم الجديدة، وانفجارها، والدخول في مرحلةٍ ما بعدها. وآية الربط بين مشروع بشارة ودخول المجتمعات العربية في ما نصطلح عليه بمرحلة التحوّل الاجتماعية الكبرى الثالثة، هي أنّ مؤشّرات هذه المرحلة وتظاهراتها أعادت بقوّة نظرية وسياسية جديدة حاضرة ومؤثّرة طرحَ مسائل الدِّيني والمدني والعلماني والسياسي والتنظيم المؤسسي لنمطٍ جديد من الدول، والعقود الاجتماعية، خارج ذينك المنظورين الموروثين من مرحلتَي التحوّل الأولى والثانية، وما قبلهما المرحلة التمهيدية في عصر التنظيمات العثمانيّة. لكن بشارة يقطع في" المقدِّمة" أو الجزء الأوّل مع التاريخ اليومي السجالي الراهن في مرحلة التحوّل الجارية للعلاقة بين الدِّين والدولة والعلمنة، ويقاربها على المستوى العميق المؤسّس لإنتاج الأفكار الذي يعمل فكريًّا على مستوى التاريخ الطويل المدى للأفكار. ولذلك يبدو حضور بشارة السياسي في هذا الكتاب محدودًا جدًّا لصالح حضوره الأساسي كمفكّر، وإن كان يمارس السياسة ضمن فعالية المفهوم الإنتلجنسوي الحديث للمثقف في أنّه ليس "خبيرًا" و"لاجامعيًّا" يحرس الأوضاع السائدة، بل هو مثقّف نقدي ينخرط في عملية التغيير، فلا يعود، وفقًا لمجازات محمد أركون، طبيب القرية المنغلق في عيادته بل طبيبها المنغمس في جميع مشكلاتها. ولا يعني ذلك أنّ "المقدِّمة" منعزلة عن الهمّ الإنتلجنسوي الثاوي، وهو همّ "التغيير" من منطلق تحرير الأكثرية "المذلّة المهانة" من النظم التسلطية العربيّة، بل هي مقدّمة لما يفترض أن يظهر في الجزأين القادمين، لكن على مستوى فضاء "السياسة العميقة" لا "السياسة اليومية".

 

*هذه المراجعة منشورة في العدد الرابع من دورية "عمران" (ربيع 2013، الصفحات 215- 230)، وهي مجلة فصليّة محكّمة للعلوم الاجتماعية والإنسانيّة، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات.

** تجدون في موقع دورية "عمران"  جميع محتويات الأعداد مفتوحة ومتاحة للتنزيل.