العنوان هنا
تقييم حالة 19 مارس ، 2020

حكومة حسان دياب: ظروف تشكيلها والتحديات المنتظرة

وحدة الدراسات السياسية

هي الوحدة المكلفة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بدراسة القضايا الراهنة في المنطقة العربية وتحليلها. تقوم الوحدة بإصدار منشورات تلتزم معايير علميةً رصينةً ضمن ثلاث سلسلات هي؛ تقدير موقف، وتحليل سياسات، وتقييم حالة. تهدف الوحدة إلى إنجاز تحليلات تلبي حاجة القراء من أكاديميين، وصنّاع قرار، ومن الجمهور العامّ في البلاد العربية وغيرها. يساهم في رفد الإنتاج العلمي لهذه الوحدة باحثون متخصصون من داخل المركز العربي وخارجه، وفقًا للقضية المطروحة للنقاش..

مقدمة

وُلدت الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب بعد ثلاثة شهور على اندلاع "الانتفاضة اللبنانية" في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وبعد شهرين على استقالة رئيس الوزراء سعد الحريري. أحدثت هذه الانتفاضة رجّةً في السياسة اللبنانية والتفاهمات بين القوى المختلفة، بعدما نجحت الاحتجاجات المتواصلة في إسقاط الحكومة وتحدّي القوى السياسية التقليدية في مناطق نفوذها، غداة أزمةٍ اقتصادية ومالية، وأخرجت الحريري وحليفين أساسيين له من العملية السياسية. وينشأ عن مثل هذا التغيير في تركيبة السلطة تحديات سياسية، وقد يُطلق معركة تغيير جذرية من خلال سياسات الحكومة المالية والاقتصادية.

ظروف تشكيل الحكومة

بعد أسبوعين على بدء الاحتجاجات ضد قرارات الحكومة، برئاسة سعد الحريري، برفع الضرائب لدعم الخزينة، وعلى الرغم من محاولاتٍ ومواقف للقوى السياسية المشاركة في السلطة، وعلى رأسها "حزب الله"، عملت على الحؤول دون ذلك، جاء قرار الحريري بالاستقالة في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، صادمًا الواقع السياسي. وكان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله قد رفض في خطابه الأول سقوط الحكومة اللبنانية، كي "لا ينزلق لبنان إلى فوضى سياسية" ستنعكس حتمًا على الوضع الاقتصادي. تلا موقف نصر الله حراكٌ سياسي في اتجاه الحفاظ على الحكومة السابقة، تمثّل باجتماعات واتصالات وطلبات من الحريري بعدم الاستقالة، لأن تشكيل حكومته استغرق قرابة ثمانية شهور، بعد انتخابات أيار/ مايو 2018 البرلمانية، نظرًا إلى الخلافات بين مختلف القوى السياسية ومحاولة كلٍ منها تعزيز مكتسباته[1]. لهذا اعتُبرت استقالة الحريري خطوةً أحادية، ومناورة سياسية للعودة إلى الحكم بشروطٍ جديدة، لا سيما أنّ مطلبه الأساس لإعادة التأليف كان استبعاد الحزبيِّين عن أيّ تشكيلة حكومية. لذا، رأت الأطراف السياسية الأخرى، وعلى رأسها زعيم "التيار الوطني الحر" وزير الخارجية السابق جبران باسيل، في مطالب الحريري، محاولة إقصاء وإلغاء نتائج الانتخابات التي جاءت بغالبية متحالفة مع حزب الله. من هذه البوابة، اتُّخذ القرار في أوساط حزب الله وحلفائه (التيار الوطني الحر وحركة أمل) بإقصاء الحريري واختيار شخصية بديلة، لكن في الوقت ذاته غير مستفزّة الأطراف الأخرى والمجتمع الدولي[2]. هكذا وُلدت الحكومة برئيسٍ مغمور كان وزيرًا للتربية[3]، وبتشكيلة من أسماء غير معروفة، في ظل احتجاجات شعبية، وخروج ثلاث قوى سياسية أساسية لها كتل وازنة في البرلمان: تيار المستقبل وحزب "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع و"الحزب التقدمي الاشتراكي" بزعامة الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط.

اعتُبر خروج القوى السياسية من الحكومة لناحية التمثيل الحزبي فيها (بعضوٍ حزبي وليس بمستقلِّين محسوبين على القوى الأساسية)، إجراءً احترازيًا للتخفيف من التكلفة المترتبة على الأحزاب نتيجة الغضب الشعبي المتوقَّع حيال أيّ إجراءات تقشفية أو رفع الدعم عن السلع الأساسية وتعويم الليرة أو رفع سعر الصرف الرسمي في مقابل الدولار الأميركي. وتردّدت في السياق ذاته، فرضية أن الحريري أراد الانسحاب في الظرف الحرج، للعودة في ثوب المنقذ بعد الظروف الصعبة التي رافقت الإجراءات المالية الضرورية للخروج من الأزمة[4].

بدت الأزمة بلا أفق، وفي حاجة إلى قرارات مؤلمة وغير شعبية، من قبيل رفع بعض الضرائب والدعم عن السلع الأساسية وإعادة هيكلة الدَّين العام. ولمثل هذه السياسات انعكاسات على شعبية القوى المشاركة في السلطة وعلاقتها بشارعها القائمة سابقًا على توزيع الري[5].

بيد أن الأزمة المالية أدّت إلى قيودٍ وضوابطَ مصرفية على السحب بالدولار منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تراكمت مع مضيّ الوقت، وانعكست على سعر صرف الدولار في الأسواق، حيث ارتفع سعر الدولار تدريجًا من 1507 ليرات للدولار الواحد، ليتجاوز الألفَي ليرة في حلول نهاية العام[6]؛ وانعكس هذا الارتفاع على نسبة التضخم وعلى القوة الشرائية.

في الأحوال كلها، شكّلت استقالة الحريري وتأليف الحكومة الجديدة نُقطةَ تحوّلٍ في السياسة اللبنانية خارج سياق الانقسامات التقليدية على خلفية العلاقة بسورية وإيران، والانتماء إلى المحاور الإقليمية. ومثّل هذا التأليف نوعًا من الاعتراف بتغييرٍ ما طرأ على السياسة اللبنانية وعدم إمكان استمرار التركيبة الماضية ووجوهها في الحكم.

تركيبة الحكومة اللبنانية

في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2019، أعلن رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون تكليف حسان دياب تأليف الحكومة العتيدة، بعد استشارات نيابية مُلزمة، نال فيها غالبية بسيطة (69 صوتًا)، في مقابل 13 صوتًا للسفير اللبناني السابق لدى الأمم المتحدة نواف سلام، وصوت واحد لحليمة القعقور (اعتبرت مرشحة المعارضة أو المجتمع المدني)، في حين امتنع 42 نائبًا عن التصويت لأيّ مرشح[7]. كان التكليف في حد ذاته مفاجئًا، لأنّ دياب، وهو وزير سابق للتربية والتعليم العالي في حكومة رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، في عام 2011، ليس معروفًا على الساحة السياسية، ولم تكن له بصمة تُذكر في إدارته حقيبة مهمة.

برز نوعان من الاعتراض على تكليف دياب، يرتبط أولهما بإشاعات عن دورٍ للنائب جميل السيّد في التكليف؛ ويتمثل ثانيهما بأن دياب كان قد استخدم سلطاته بصفته وزيرًا للتربية والتعليم العالي من أجل طباعة كتاب مصوّر عن تجربته السياسية على حساب الخزينة. كما أطلق اسم والدته على مدرسة رسمية، على الرغم من أنها لم تكن في ملاك التعليم الرسمي ولا علاقة لها بهذا القطاع. انعكست هذه الاتهامات سلبيًا على دياب وحكومته، لا سيما أن أحد المطالب الأساسية للحراك هو مكافحة الفساد واستغلال الوظيفة العامة. ومن المفترض أن تتولّى هذه الحكومة تنفيذ هذا المطلب واستعادة الأموال المنهوبة ووقْف منابع الفساد والهدر.

في المقابل، جاءت تركيبة الحكومة الجديدة مُبهمة، لجهة أن أحدًا من أعضائها، سوى واحد، لا ينتمي ظاهرًا إلى أي حزب سياسي. وأعضاؤها غير معروفين في السياسة، وهم في غالبيتهم من الأكاديميين أو المتخصصين في مجالات ليست بالضرورة منسجمة مع وزاراته؛ على سبيل المثال، كانت وزيرة الدفاع اللبنانية زينة عكر، وهي أول امرأة تتولّى هذا المنصب في الوطن العربي، المديرة التنفيذية لشركة "الدولية للمعلومات" لاستطلاعات الرأي في بيروت. لكن، هدف قبول القوى الأساسية بالتخصص وعدم الانتماء الى الأحزاب السياسية، هو التخفيف من شدّة الاحتجاجات، لا سيما أن مطلب حكومة التكنوقراط تردَّد منذ مطلع انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر.

في موازاة ذلك، واجه دياب تصلّبًا من زعيم التيار الوطني الحر في خصوص منصب وزير الخارجية؛ إذ أراد الأول تعيين دميانوس قطار. وعلى الرغم من أن الطرفين وصلا إلى اتفاق على اسمٍ جديد وذلّلا هذه العقبة، فإن المواجهة بينهما أعطت دياب قليلًا من الصدقية، مقارنة بخلفه سعد الحريري الذي أظهر انسجامًا في عمله الحكومي والسياسي مع باسيل.

أولويات الحكومة اللبنانية ومهماتها

تتمثل أولوية الحكومة اللبنانية العتيدة الأساسية بمعالجة الوضعين الاقتصادي والمالي من خلال إقرار إصلاحات جدّية، على رأسها حل مشكلة الكهرباء المتواصلة منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية قبل ثلاثة عقود، والسعي للحصول على مساعدات خارجية.

بدايةً، قرر لبنان عدم سداد استحقاقات سندات اليوروبوند، وأوّلها 1.2 مليار دولار استحقت في 9 آذار/ مارس 2020، يليها 700 مليون و600 مليون دولار في منتصف نيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو المقبلين تِباعًا، ومعها 2.7 مليار دولار فوائد مستحقة. طبعًا، كان من الصعب على لبنان تسديد هذه الدفعات، نظرًا إلى تقلّص قيمة الموجودات بالدولار لدى المصرف المركزي، وسط لغطٍ وشكوكٍ حيال صحة الأرقام المعلنة[8].

تواجه هذه المهمة تحديات عدة على المستويين الداخلي والخارجي.

1. المستوى الداخلي

هناك حاجة إلى التوافق على أسس معالجة الأزمة الاقتصادية. لكن لم يتضمن بيان الحكومة الوزاري، وهو نسخة معدّلة بعض الشيء عن بيان الحكومة السابقة، خطة اقتصادية متكاملة للخروج من الأزمة؛ إذ يتطلّب إعداد هذه الخطة والموافقة عليها، إجماعًا بين الحلفاء، لم يتحقق تحققًا كاملًا إلى الآن، على الرغم من أنّ وزير المالية، غازي وزني، وعد في تصريحاتٍ أخيرة له بإعداد خطة قريبًا تلبّي شروط صندوق النقد الدولي حيال لبنان[9].

تثير هذه الخطة الاقتصادية المالية المطلوبة سؤالًا أساسيًا: كيف يقارب لبنان مسألة إعادة هيكلة الديون؟ (أو بصيغة أخرى، من يدفع الثمن؟). وترتبط الإجابة عن هذا السؤال، مباشرةً، بمسار الانتفاضة اللبنانية ومطالبتها بتوزيع الأعباء بين الأغنياء (والسياسيون منهم) والفقراء، وتحديدًا ألّا تتحمّل الطبقات الأفقر في لبنان الوزرَ الأكبر، حيث سُجّل رقم قياسي في انعدام المساواة على مستوى العالم، وفقًا لدراسة أجرتها ليديا أسود قبل ثلاثة أعوام[10]، خلصت فيها إلى أن أثرى واحد في المئة من السكان، يحصل على ربع الدخل القومي، ويحوز 10 في المئة على نصف الدخل القومي، ما يجعل لبنان في مقدمة الدول التي تنعدم فيها المساواة بين السكان، وتتّسع فيها الهوّة بين الأغنياء والفقراء، وفقًا لتقارير البنك الدولي، ومنها ما يشير إلى تجاوز نسبة الفقر 50 في المئة من عدد السكان خلال الشهور المقبلة، وفي ظل انكماش الاقتصاد اللبناني.

لكن الحكومة اتخذت قرارها الأول بالحصول على المشورة التقنية لصندوق النقد الدولي الذي يضع شروطًا قاسية، مثل رفع الدعم عن المحروقات واقتطاع رواتب القطاع العام، على الرغم من أن ارتفاع سعر الصرف والتضخم المرافق له، يقضم من القدرة الشرائية لهذه الشريحة الواسعة والمهمة، ويدفع بها إلى الفقر، وإلى الاحتجاج أيضًا، وهو ما أشار إليه نصر الله في خطاباته الأخيرة، حيث قال إن كانت ضريبة على وسائل الاتصال أطلقت موجة الاحتجاجات السابقة، فكيف ستكون ردة الفعل المحلّية على ارتفاع سعر الوقود، أو تجاه الضريبة على القيمة المضافة؟[11]

قد تدفع الخيارات المحدودة وضغوط الكتل الاقتصادية المؤثرة، وعلى رأسها جمعية المصارف وغرف التجارة والصناعة القريبة من القوى السياسية، الحكومة في نهاية المطاف إلى القبول بمعظم شروط صندوق النقد للحصول على مساعدات خارجية. وعلى الرغم من أن حزب الله أبدى معارضة أوّلية قوية لأي تدخّل لصندوق النقد الدولي، فإن نصر الله تراجع أخيرًا عن موقفه وأظهر ليونةً تفاوضية مع الصندوق، خصوصًا أن إيران طلبت قرضًا عاجلًا بهدف مكافحة انتشار فيروس كورونا.

سيدفع اتخاذ الحكومة مثل هذا القرار المفصلي في اتجاه تغيير سياسي تحت ضغط الشارع، ومن ثم تزيد احتمالات عودة الحريري إلى رئاسة الوزراء، على الرغم من أن دياب أظهر خلال فترة التشكيل تصلّبًا لا بد من أن يحول دون استقالةٍ سريعة، إلّا في حال حصول ضغوط سياسية عليه من حزب الله.

2. هل هي نهاية نفوذ لوبي المصارف؟

في الموضوع الاقتصادي أيضًا، جاء في البيان الوزاري، وفي خطاب رئيس الوزراء، حديث مكرّر عن محاولة تحويل الاقتصاد اللبناني إلى الإنتاج لتخفيف الاعتماد على الاستيراد في مجال الحاجات الأساسية. وفي هذا السياق، وجّه دياب نقدًا مباشرًا للقطاع المصرفي في خطابه عن عدم سداد قروض اليوروبوند، وتحدّث عن "تحوّل القطاع المصرفي عن دوره الأساسي كمؤثر ومموّل في الدورة الاقتصادية أساسًا، إلى وسيط، يعمل من جهة على استقطاب الودائع بفائدةٍ مرتفعة تجاوزت على الدولار 5 إلى 10 أضعاف ما تُقدّمه المصارف الأخرى في العالم، ومن جهة أخرى يُقرض الدولة بسعر فائدة أعلى". ووفقًا لدياب، أدى هذا الدور غير العادي إلى تضخّم ميزانيات المصارف والمصرف المركزي، "بشكل أكبر بكثير من حاجتنا إلى توفير تمويل للاقتصاد، وكبّده أكلافًا باهظة. هذا النموذج غير منصف إطلاقًا؛ إذ تستفيد منه أقلية وتتضرّر الأكثرية".

عمليًا، وجّه دياب في خطابه سهامه إلى اللاعب الأساسي والأوحد في الاقتصاد اللبناني بعد الحرب الأهلية. وفي حال تحوّل الخطاب إلى سياسة من خلال إعادة هيكلة الديْن العام، فسيكون ذلك بمنزلة انقلاب اقتصادي داخلي يبرّره الوضع المالي، لا سيما أن حكومة الحريري كانت ترغب في سلوك طريق الخصخصة، بدلًا من تحميل القطاع المصرفي والمودعين الكبار فيه، الثمن الأكبر للأزمة الحالية. ومن علامات التحوّل السياسي حيال القطاع المصرفي، كان قرار النائب العام المالي، علي إبراهيم، بوضع إشارة منع تصرّف على أصول 20 مصرفًا لبنانيًّا وأملاك أصحاب ورؤساء مجالس إدارة هذه المصارف على خلفية تحويلات مالية إلى الخارج، لكن، في ظل تسييس القضاء اللبناني، جرى الالتفاف لاحقًا على إشارة النائب العام المالي هذه وتجميدها[12]، واعتُبر قرار إبراهيم تصعيدًا سياسيًا ضدّ القطاع المصرفي في إطار التحوّل الذي تشهده البلاد بعد انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، خصوصًا أن هذا القطاع خسر مع خروج الحريري من السلطة، حليفًا يركن إليه في الحفاظ على مصالحه، في مقابل حزب الله وبعض حلفائه المستائين من نفوذ حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة.

من مؤشرات الصراع الخفيّ مع المصارف، إلى جانب اتهامها بالتورّط في تهريب الأموال إلى الخارج خلال فترة الأزمة، أنها باعت حصصها في ديون الدولة اللبنانية الخارجية (اليوروبوند) لأطرافٍ أجنبية، على نحوٍ جعل تخلّف الحكومة عن السداد ضرورةً. وأثار هذا القرار المصرفي عتبًا في السلطة، وتحديدًا لدى رئيس مجلس النواب نبيه بري[13].

من شأن هذه المواجهة لو قُيّض لها الاستمرار، أن تُضفي صدقية للحكومة عند شباب الانتفاضة، لا سيما أن المصارف باتت في قلب المواجهة بين المحتجين والسلطة، نظرًا إلى حجبها الأموال عن المودعين، صغارًا وكبارًا، وتقنين إجراءاتها أسبوعيًا، ما انعكس على سعر الصرف والقدرة الشرائية لدى الناس؛ إذ باتت طوابير الزبائن أمام المصارف في انتظار السحوبات المحددة، مشهدًا يوميًا يزيد التوتر بين الطرفين، بدليل أن عددًا كبيرًا من المصارف تعرّض للتكسير والاعتداء. ويُنظر إلى جمعية المصارف باعتبارها أحد الأطراف النافذة في البلاد، وحمّلها عددٌ من المجموعات المحتجة مسؤولية الوضع الاقتصادي والمالي الحالي، وسط اتهامات لها بالتواطؤ مع السلطة السياسية. لهذا السبب، وفي حال واصلت الحكومة إجراءاتها بحق المصارف، قد ينعكس ذلك عليها إيجابيًا في الشارع، وسط تراكم الغضب الشعبي من الإجراءات المصرفية، ومن تورّط هذا القطاع في الأموال المهرّبة.

3. السياسة الخارجية

المسألة الثانية المُلحّة أمام الحكومة، هي مقاربة العلاقات الدولية. ذلك أن حزب الله، وهو الراعي الأساسي لهذه الحكومة، يرى أن هناك إمكانًا للحصول على مساعدات دولية من دون إجراء تعديل جذري في المعادلات السياسية الداخلية، وبالاكتفاء بتغييرات شكلية لا تمسّ سلاحه ودوره الإقليمي. والحقيقة أن الحزب وحلفاءه بذلوا جهدًا ملحوظًا في بلورة شكل الحكومة، مقارنة بالتشكيلات السابقة؛ أولًا، لم يختر الحزب عضوًا حزبيًا لتمثيله في الحكومة، كما دأب منذ قراره المشاركة في السلطة في عام 2005. وثانيًا، خرج وزير الخارجية السابق جبران باسيل من الحكومة، واستُبدل بشخصية مستقلة تتمثل بالأكاديمي ناصيف حتي، وهو غير معروف بانحيازه إلى طرفٍ دون الآخر في المعادلة السياسية الداخلية. وثالثًا، هناك عدد كبير من حاملي الجنسية الأميركية في الحكومة اللبنانية، وهذه إشارة إلى ليونة لدى الحزب، في الشكل وليس في الجوهر، في مقابل الحصول على دعمٍ ضروري للبنان[14].

في مقابل هذه الليونة الشكلية، بدا أن هناك تصلّبًا أميركيًا واضحًا حيال توفير المساعدة للحكومة، تعبّر عنه تصريحات ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي، والبرودة الخليجية العربية في التعامل مع الأزمة اللبنانية أيضًا، على الرغم من خطورتها[15]. والواضح أنّ واشنطن تعطي أولوية لحملتها الضاغطة على إيران، اقتصاديًا وماليًا وعسكريًا، على سياستها التقليدية القائمة على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية في سبيل احتواء حزب الله على المدى البعيد. وعبّر شنكر، وهو باحث سابق في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، عن هذا التوجه الأميركي، مشيرًا إلى موجة اعتراضية مقبلة في واشنطن على البرنامج الحالي للمساعدات الأميركية بعد تأليف الحكومة؛ فإذا كانت المساعدات الحالية، وهي متواصلة منذ أعوام، مهددة بالتوقف، فكيف، في الإمكان، توقّع دعم الولايات المتحدة الأميركية حزمة مساعدات جديدة يحتاج لبنان إليها ليخرج من أزمته؟

أما الموقف الأوروبي، وفقًا لمسؤولين في الاتحاد، فينحو في اتجاه حصر الدعم في صندوق النقد الدولي، نظرًا إلى انعدام ثقة الشارع والمجتمع الدولي بِنيّة هذه السلطة السياسية إجراء إصلاحات ووَقْف مكامن الهدر من دون ضغوط منتظمة عليها. في مقدمة الإصلاحات المطلوبة، إقرار خطة لإنهاء الهدر في قطاع الكهرباء الذي يكلّف الدولة اللبنانية ما بين المليار والمليار ونصف المليار دولار سنويًا، أي ربع عجز الموازنة اللبنانية[16]. لكن، شملت الخطة السابقة الموضوعة، استقدام بواخر الكهرباء المثيرة للجدل، حيث في إمكان لبنان بناء محطات للطاقة بتكلفتها، وهي مرتبطة إلى حدٍ بعيد بالتيار الوطني الحر بزعامة باسيل، المهيمن على وزارة الطاقة منذ أحد عشر عامًا. ووفقًا لمسؤول أوروبي معنيّ بالملف اللبناني، حصر الاتحاد الأوروبي، باستثناء فرنسا، مسألة المساعدات المالية في صندوق النقد الدولي، ويركز حاليًا على رفع مستوى المساعدات الإنسانية للبنان خلال الفترة المقبلة.

آفاق نجاح الحكومة

في المقابل، يراهن بعض المسؤولين اللبنانيين على تبدّلٍ في الموقف الدولي، والأوروبي تحديدًا، خلال الفترة المقبلة، خصوصًا أن لبنان يحتضن قرابة مليون نازح سوري وأقل من مئتي ألف لاجئ فلسطيني (وفقًا لإحصاءات غير رسمية)؛ وألمح رئيس الجمهورية اللبنانية، ميشال عون، إلى ضرورة أن يدفع المجتمع الدولي فاتورة استقبال لبنان النازحين السوريين، وقدّرها بـ "25 مليار دولار أميركي"[17]. ويسود هذا الطرح غير الواقعي أوساط حزب رئيس الجمهورية، التيار الوطني الحر، حيث طالب أحد مناصريه في برنامج تلفزيوني باستعادة وديعةٍ للأمير فخر الدين المعني في توسكانا في القرن السابع عشر، تصل قيمتها اليوم إلى خمسة مليارات دولار أميركي[18].

قد يكون أساس هذا الرهان، التوقعات بأن تدفع الأزمة الاقتصادية الضاغطة، اللاجئين والنازحين إلى محاولة مغادرة لبنان في موسمَي الربيع والصيف المقبلَين، إمّا بحرًا وإمّا جوًا، تمامًا كما حصل في عام 2018 في موجة هجرةٍ غير شرعية أودت بحياة العشرات في البحر[19]. وقد تضع هذه الضغوط لبنان على أجندة الدول الغربية، لكن، لا تتيح المهل الزمنية القصيرة لمواجهة التحديات وتراكم الاستحقاقات المالية الداخلية والخارجية، ترف الانتظار، بل تتطلّب قراراتٍ وإجراءاتٍ عاجلة خلال الأسابيع المقبلة.

ومن العوائق أمام تبدّل الموقف الدولي حيال لبنان، حقيقة أنّ حزب الله يؤدي دورًا إقليميًا متزايدًا بعد اغتيال قائد فرقة القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في مطلع 2020، في العراق. غداة الاغتيال، أعلن الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـحزب الله، أنّ رحيل سليماني يدشّن مرحلة جديدة، ويرتب "مسؤوليات" إضافية على حزب الله من دون تحديدها. لكن من الصعب على الحزب التوفيق بين أيّ دور إقليمي متنامٍ لمصلحة إيران، والسعي جدّيًا لطلب مساعدات دولية للبنان من خلال الحكومة. يُضاف إلى ذلك أن الحكومة اللبنانية لم تبذل مجهودًا جدّيًا في إبعاد لبنان عن المحور الإيراني - السوري، حيث استقبل رئيس الحكومة حسان دياب رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني والسفير السوري علي عبد الكريم علي بعد أيام على التشكيل. وعلى الرغم من أن دياب استقبل أيضًا السفيرة الأميركية إليزابيث ريتشارد، وسفراء الاتحاد الأوروبي، فإن مثل هذا الانفتاح السريع على إيران والنظام السوري، لا يسهّل المساعي للحصول على مساعدات عربية وغربية. كما زار وزير الشؤون الاجتماعية اللبناني رمزي مشرفية دمشق والتقى وزراء الإدارة المحلية والبيئة حسين مخلوف، والشؤون الاجتماعية والعمل ريما القادري، والسياحة محمد رامي مرتيني. وأثارت هذه الزيارة تساؤلات حيال ارتباطها بتوجّه الحكومة من عدمه، لا سيما أن وزراء من حكومات الحريري سبق أن زاروا سورية مراتٍ عدة من دون موافقته[20].

خاتمة

يتمثل أبرز التحديات أمام حكومة حسان دياب بوضع خطة اقتصادية لا تؤذي الفئات الأشد فقرًا، والحصول على دعمٍ خارجي ضروري لتجاوز الأزمة الحالية والتخفيف من غضب الشارع، لا سيما في ظل ارتفاع وتيرة المطالبة بانتخابات مبكِرة يرفضها حزب الله وحلفاؤه، وبات تيار المستقبل من مؤيديها. لكن التصلّب الأميركي، وإلى حدٍّ أقل، الأوروبي، والشروط الدولية القاسية، قد تدفع في اتجاهين: إما فشل الحكومة مع انهيار اقتصادي، وإما الدخول في برنامج صندوق النقد الدولي بعد القبول بشروط قاسية. كلتا الطريقتين تهدد بسقوط الحكومة التي يبدو أن الشخصيات المغمورة فيها اختيرت أصلًا للمشاركة في اختبار قصير الأمد. إلّا أن دياب، وفي حال حصل على دعمٍ كافٍ من حزب الله وحلفائه، قادرٌ على إقرار إصلاحات من شأنها الحدّ من نفوذ المصارف في الاقتصاد، وربما الحصول على مساعدات خارجية من خلال صندوق النقد الدولي. لكن ذلك يتطلّب الحدّ من الدور الإقليمي للحزب، خصوصًا في ظل حملة الضغوط الأميركية عليه وعلى طهران.



[1] صدر مرسوم تشكيل الحكومة اللبنانية في 31 كانون الثاني/ يناير 2019، أي في العام التالي للانتخابات النيابية. ينظر: "الحكومة الخامسة والسبعين: ثاني حكومة في عهد فخامة الرئيس ميشال عون"، رئاسة الوزراء في الجمهورية اللبنانية، 31/1/2019، شوهد في 23/2/2020، في: https://bit.ly/2WokbMO

[2] تردد أن الحريري فضّل عدم التمسك باسم السفير نواف سلام كي لا يُمثل تحديًا له من داخل الفريق السياسي ذاته.

[3] لم يكن دياب من وزراء التربية المعروفين في البلاد، ولم يترك بصمة تُذكر في حقيبته.

[4] ينظر: منير الربيع، "عودة الحريري وحزب الله إلى السلطة بشروط دولية"، المدن، 19/2/2020، شوهد في 24/2/2020، في: https://bit.ly/33sDxSJ

[5] في السياق اللبناني، الحزب السياسي والزعيم الطائفي هما المعبر الأساسي إلى الوظيفة العامة.

[6] واصل سعر الدولار ارتفاعه حتى تجاوز عتبة الـ 2500 ليرة لبنانية في آذار/ مارس 2020.

[7] ينظر: "تكليف حسان دياب بتشكيل حكومة جديدة في لبنان"، بي بي سيعربي، 19/12/2019، شوهد في 24/2/2020، في: https://bbc.in/33w9TvW

[8] يُخفي مصرف لبنان بعض بياناته، وسط تقديرات بأن الاحتياطي لديه بالعملات الصعبة هو في السالب، أي إنه من أموال المودعين حصرًا نتيجة تراكم أعوام من عجز الخزينة. ينظر: علي نور، "استحقاق اليوروبوند المرعب: إنقاذ المصارف وسحق اللبنانيين"، المدن، 3/2/2020، شوهد في 24/2/2020، في: https://bit.ly/3bbMJ0u

[9] ينظر: توم بيري وإلن فرانسيس، "حصري-وزير: خطة لبنان خلال أسابيع، وستُلبّي توصيات صندوق النقد"، رويترز، 12/3/2020، شوهد في 15/3/2020، في: https://bit.ly/3a5j2xN

[10] ينظر:

Lydia Assouad, “Rethinking the Lebanese Economic Miracle: The Extreme Concentration of Income and Wealth in Lebanon 2005–2014,” WID. world Working, Paper Series no. 2017/13, at: https://bit.ly/2IUB35Y

[11] تحدّث نصر الله عن مخاوف حيال شروط صندوق النقد الدولي وعدم قدرة الشعب اللبناني على تحمّلها، على الرغم من أن موقفه تبدّل لاحقًا، وبات مشروطًا بالتفاهم مع الصندوق بشأن شروطه.

[12] جمّد المدعي العام التمييزي غسان عويدات، في اليوم التالي، أي في 5/3/2020، قرار المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم ومفاعيله إلى حين درس تأثيره في النقد الوطني وفي المعاملات المصرفية وأموال المودعين وفي الأمن الاقتصادي.

[13] يُعتبر منصب النائب العام المالي محسوبًا على رئيس مجلس النواب ومن حصّته في التعيين.

[14] ينظر: منير ربيع، "حكومة دياب لتطبيع العلاقة بين حزب الله وأميركا"، المدن، 25/1/2020، شوهد في 25/2/2020، في: https://bit.ly/3947tWc. يذكر في هذا المجال أن أحد الوزيرين اللذين سمّاهما حزب الله في الحكومة، وهو وزير الصناعة عماد حب الله، كان يشغل منصب عميد الجامعة الأميركية في دبي (أيار/ مايو 2017 - 21 كانون الثاني/ يناير 2020) ورئيس الهيئة الأكاديمية فيها، وزوجته أميركية.

[15] على سبيل المثال، يتأخر سفراء عرب في زيارة رئيس الحكومة اللبنانية، وفي التحرك لمساعدة لبنان على الرغم من عمق الأزمة وسرعة تفاقمها.

[16] ينظر:

Angus McDowall, “Fixing Lebanon's ruinous electricity crisis,” Reuters, 29/3/2019, at: https://reut.rs/2QuYxTz

[17] ينظر: "عون يطالب بتعويضات مالية لبلاده من الدول التي سببت الحرب السورية"، عنب بلدي، 9/2/2020، شوهد في 25/2/2020، في: https://bit.ly/2x4CvjJ

[18] ينظر: خالد صاغية، "الناشط والمستشار"، ميغافون، 24/2/2020، شوهد في 24/2/2020، في: https://bit.ly/2IWXqYx

[19] ينظر: "بعض أبناء عين الحلوة هاجر واختفى وما زال مصيره مجهولًا"، النشرة، 1/4/2019، شوهد في 23/2/2020، في: https://bit.ly/2U0fUxy

[20] ينظر: "الوزير المشرفيّة في زيارة إلى سوريا ... وملف النازحين الحاضر الأبرز"، المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناسيونال (LBCI)، 2/3/2020، شوهد في 14/3/2020، في: https://bit.ly/3b9ey9v